هل نحتمل الأمل؟


المسرح، يا حلمي البعيد وعشقي القديم، أيتها الخشبة المقدسة التي من فوق سطحها العاري صرخ الملك أوديب «واحسرتاه، واحسرتاه، ويلاه من بؤسي وتعاستي، أين تأخذني خطاي؟»، من عليائها بكى الملك لير «عندما نولد نبكي قدومنا لمسرح البلهاء العظيم هذا»، وفي جنباتها ترددت صفقة باب «نورا» في مسرحية «بيت الدمية» للعظيم هينريك أبسن، وهي تغادر بيت الزوجية، الذي حولها إلى لعبة، في محاولة منها لتجد نفسها، صفقة باب يقال إنها ترددت في كل أرجاء أوروبا معلنة ثورة نسائية على التقاليد التي كبلتهن سنوات مظلمة طويلة.

على كراسيك جلسنا نشاهد الدكتور فوستس يبيع روحه للشيطان مقابل المعرفة التامة والقوة الأزلية، فقط ليخسر كل ما هو حقيقي مقابل وهم كبير، انتظرنا قدوم «جودو» في تحفة صامويل بيكيت السيريالية «في انتظار جودو» انتظاراً مجازياً للمخلص الذي لا يأتي، فقط لنكتشف أن مخلّصنا في داخلنا.

في قاعتك المهيبة قهقهنا سخرية على الطبقية وسخافاتها في مسرح الروسي العظيم آنتون شيكوف، تألمنا لعذابات الإنسان المغصوب الأرض مع مسرح الإفريقي الخارق الحائز جائزة نوبل للأدب وول سوينكا، وأبحرنا في أعماق الدراما الذهنية الأخاذة مع المسرحي الأول، وبلا منازع، توفيق الحكيم.

«أنا أقرأ التاريخ، وأرى» تقول مارغريت في بداية مسرحية «ريتشارد الثالث: مأساة معربة» على خلفية إيقاع «مرواس» و»طار»، وبينما هي تشدو لحناً حزيناً يبدأ الوزير الشرير هيستنغز جملته العنيفة «هذه الأرض أبدلت ثوبها، مرت أيام الشتا وقرص الصقيع وهل الربيع بشمسه ودفاه، الحرب أوضعت أوزارها وما عاد لها من صوت، ما عاد نسمع سوى ضحكات الرخا وكركرة الميوعة وياكن، وياكن من حمل سلاح وخاض غمارها». يخبرنا هيستنغر أنه على وشك تنفيذ خطة حقودة لدس الفتنة بين أخيه كليرانس والملك إدوارد ليصل في النهاية إلى مبتغاه ويمتطي العرش ومعه كرامات الأمة بأكملها.

اللهجة العربية الفصحى مجدلة باللكنات العربية المختلفة، خصوصاً العراقية منها، مسيجة جميعاً بإيقاعات وألحان خليجية قديمة تأخذ شغاف القلب ونحن ندخل عالم شكسبير الغافي في أعماق التاريخ بخطانا العربية الحديثة المغموسة في الدم. كل كلمة على خشبة هذا المسرح تعتصر القلب، كل قرعة «مرواس» تهيج الحواس، كل ضربة دف تدعو للنواح، نواح فقد حارق، نواح إسقاط لاذع، نواح سخرية الأقدار، نواح قسوة المخرج سليمان البسام وهو يواجهنا برجعيتنا وظلمتنا ونحن لا نزال نعيش ليل القرن الخامس عشر في صباح القرن الحادي والعشرين. قصص الدسائس والخداعات، قصص الطغاة والمخابرات، قصص القتل والموت والدم، قصص المجون والعربدة ، قصص انتهاك الدين، قصص وقصص، كلها ليست قصصاً بالنسبة إلينا، هي حقائق ووقائع نعيشها ها هنا، في هذه البقعة التي لم ترحل عن القرون الوسطى، على هذه الأرض التي لم تنتقل عبر آلة الزمن، فجمدت وجمّدت أرواح سكانها، حتى أصبحوا تماثيل تمتثل، ولعباً تنكسر، وحطباً يتحرك حسب الرغبة، ثم يحرق.

في السينما يعرض الآن فيلم «ريتشارد الثالث: شخصية عربية مهمة جداً»، وهو فيلم وثائقي يحكي قصة التحضير للمسرحية، وهي رحلة في حد ذاتها هزلية في معوقاتها تتواءم تماماً وفحوى المسرحية. يستعصي جداً على الفهم أن يعاني مخرج عالمي مثل سليمان البسام تحت وطأة معوقات تكنيكية صغيرة، أن يرقد تحت رحمة ورقة من هنا وأخرى من هناك، أن يفتقد خشبة يعرض عليها ودنانير تسند عمله.

المسرحية موجعة جداً والفيلم يسكب الملح على الجرح في الوقت نفسه الذي يستعرض فيه رحلة الحياة الخلابة على خشبة المسرح، كل هذا الجهد الذي لا نراه سوى مغربل في العمل النهائي على الخشبة، كل التفاصيل، كل الصعوبات، كل الأشياء التي تخرج عن الخطة في اللحظة النهائية، وكل الجهود لإعادتها إلى مسيرة الخطة، جهود خارقة، إيمان صارخ، عشق حقيقي للمسرح، تلك هي التي تنقذ المشروع في لحظاته الأخيرة.

أين نحن اليوم من خشبة الحياة هذه، أم أن حياتنا «خشبتنا» فلم نعد نبدع أو نتذوق؟ أحياناً أريد أن أعتذر لسليمان وأحياناً أحقد عليه، أود أن أستسمحه وجوده في بلد مشغول بزيادة الخمسين ديناراً ومنع الاختلاط ومسجدكم ومسجدنا، وأنت كافر وأنت مارق، فيبدو إبداعه المسرحي وكأنه فعل سيريالي وسط حقيقة حامضة أو جنون وسط عقلانية المجانين، ثم أجد نفسي أحقد عليه، ألا يكفي أننا نعيش الجنون كل يوم لتأتي فتكتب عملاً يصلبنا على عواميد الواقع المؤلمة؟.

مبدع سليمان البسام، وقاس، يكتب لخشبة مقدسة لا يعترف أحد بقداستها ها هنا، فيبكيك واقعك ويضحكك سخريته وينعشك أملاً حين تتذكر أن أوروبا خرجت من ذات حمام الدم الذي نسبح فيه مغلياً ها هنا تحت شمسنا الحارقة. المسرحية والفيلم ليسا لضعاف القلوب، هما للقادر على مواجهة الواقع بأخبث صوره ولمن هو مستعد لتحمل فكرة… وجود الأمل.