مورفين

بدأ كتابة هذا المقال وكأنني أضع كفي في عش الدبابير. أكتب خائفة مستعجلة. أود أن أنهيه قبل أن أبدأه. أكتب وأنا لا أدري أين ستأخذني الكلمات، أو إن كنت سأقدمها للنشر أم لن أفعل. إن أكملت هذا المقال وأرسلته للنشر، أعد نفسي ألا ألغي كلمة، إما البوح التام أو الصمت الزؤام.

نشرت جريدة الجريدة الكويتية قبل أيام خبرا عن تطوير تقنية “الواقع الافتراضي” التي مكنت أم كورية من رؤية ابنتها بعد أربعة سنوات من وفاة الابنة، حيث جلست الأم لتلعب مع الابنة وتحتفل معها بعيد ميلادها ثم، في نهاية البرنامج الإلكتروني، وضعت الأم الطفلة في السرير لتنام، لتتحول بعدها إلى فراشة وتطير. كل ذلك، الذي تم في عشرة دقائق، كان قد استغرق ثمانية أشهر من البرمجة.

لا أدري إن كنت قادرة على استكمال هذا المقال، ربما أعود له لاحقا.

أود أن أكتب ولا أدري إن كانت الكتابة ضغط على الجراح أم تطبيب لها. لو توفرت لي هذه التقنية هل سأستخدمها؟ كيف؟ ما سأقول عما فقدت؟ كيف سأصفه صورة لم أرها أصلا؟ كيف يمكن برمجة كل ما يجوب في ثنايا النفس؟ كيف سأشرح سنوات من ألم لا يمكن نسيانه، لا أود نسيانه، ألم هو كل ما بقي لي مما فقدت؟

ربما لن أستطيع استكمال هذا المقال.

مجرد محاولة فتح هذا الملف على كمبيوتري هي مهمة شاقة، أكره هذه الصفحة نصفها مسود ونصفها أبيض، مثل قلبي، نصفه حي ونصفه ميت، نصفه ينبض ونصفه ساكن. لو أنني تمكنت من برمجة قصتي، هل سيحيى نصف قلبي؟ هل سينبض من جديد، أم هل ستقتل المواجهة الإلكترونية المبرمجة النصف الحي النابض وتقضي على القلب كله؟

أخبروني أيها الأصدقاء، من منكم يمتلك دقيقة فليبعث لي برسالة قلبية، هل يجب أن نفعل؟ هل نرسم الأحبة المفقودين صورا إلكترونية، هل نعيدهم برامج كمبيوترية، مجرد واحدات وأصفار؟ هل نستحضرهم رسومات تتحرك ولو على شكل خيالات إلكترونية من أجل دقائق راحة؟ وماذا بعد هذه الدقائق، ماذا لو لم نستطع أن نخرج من ذلك البرنامج الكمبيوتري؟ ماذا لم أخذتنا التقنية إلى عالم لا يمكن العودة منه؟ لو ذهبت إلى هناك، لا أعتقدني أود العودة أبدا رغم كل الأحبة الموجودين في العالم الحقيقي.

هذا مقال كريه، لن أكمله.

أف! مجرد فتح الملف يبدو وكأنه عملية تسلق تل شاهق طري الرمال، قدماي تغوصان بالكاد أرفع واحدة وأقدم الأخرى. أين توقفت في الكتابة؟ لا أود العودة لما كتبت مسبقا، لا أستطيع العودة عنه كذلك، كل ما أستطيع في هذه المرحلة هو الإشارة لألم محشور بين الضلوع، ألم قديم لم تنغلق عليه ضفتي الجلد المفتوحتين المتقرحتين، ألم لا تندمل أي من مكوناته.

قلت لنفسي لو كتبت، لعلي أكسر حبسي الانفرادي، لعل القراء يميزون ألمي المختبئ أسفل ألف وسادة ووسادة، مثل حبة البازلاء التي لا تستطيع أن تستشعرها سوى تلك الأميرة المنكوبة، صدى في داخلهم، فنحيا هم وأنا للحظات، يجمعنا هذا المقال بآلامنا المتشابهة الاختلافات، نواسي بعضنا البعض بالتشارك الجمعي اللحظي بالألم، بالتفكر في لحظة راحة منه، لحظة الراحة التي هي لربما أشبه بجرعة مورفين قوية تأتي على صورة برمجة إلكترونية تأخذنا بعيدا عن فقدنا، إلى حيث الوصل السعيد غير المشروط. لو أن هذا ممكن.

لعنة الله على هذا المقال وعلى فكرة كتابته.

أعتذر عن قسوة الكلمات، لقد وعدت نفسي أنني لن ألغي شيئا، وأود أن أحافظ على وعدي، كم وعدت نفسي فأخلفت، فهل أمتلك الشجاعة الآن أن أبقي على هذا الوعد؟ هل سأضغط زر إرسال المقال عبر البريد الإلكتروني أم سيكون مصيره في سلة المهملات الإلكترونية؟ السؤال الأهم، لو توفرت هذه التقنية، هل سأضغط زر التشغيل؟ هل سأدخل طوعا لهذه الدنيا الافتراضية المريحة، بجرعتها المخدرة القوية، وأنا أدري أنني لربما لن أعود منها كما ذهبت، ولربما لن أعود منها مطلقا؟

لو خيرت بين أن أبقى هناك حيث الغابة الملونة والفراشات الزاهية والفقد الذي عاد، أو أن أعود للحقيقة حيث أحبة لي هنا ينتظرونني، يحتاجونني، يتوقعون مني التزامي بمسؤولياتي، ماذا سأختار؟ هناك خيال وراحة، هنا حقيقة وأناس وأسرة هم غراء روحي الذي يبقيني قطعة بشرية متماسكة. ماذا سأختار؟ دقائق راحة لربما تكلفني بقية الحياة، أم بقية حياة لربما تكلفني الكثير من الألم؟

لا أريد أن أتخلى عن مسؤولياتي، فواجبي يأتي قبل ألمي. لا أريد أن أنسى، فالذكريات على ألمها هي كل ما بقي لي. لا أريد أن أبقى أشعر، فالألم أحيانا يفوق في حجمه الوعاء الجسدي الذي يحمله. لا إجابة تريحني، ولا معنى لهذا المقال الذي يعذبني، كتابته كانت منتهى القسوة، ومحاولة إرساله عملية أقسى. سأحاول أن أضغط زر الإرسال، سأحاول بكل قوتي.