كاك

لا ينتفض الإنسان من مس جرحه إلا اذا كان مفتوحاً غائراً، ولا تشتعل النار في التراب إلا إذا كان مغموراً بالزيت، لذا ليست المشكلة في تقرير الخارجية الأميركية، ولكنها في جرحنا الغائر الذي لا يندمل ورملنا العائم طيناً لا يجف. ليس المطلوب قراءة النوايا الأميركية حول كتابة تقرير انتهاك الحريات الدينية، فلم تصفَ النوايا السياسية في يوم، ولم تتأنسن أهداف قوى عظمى على مر التاريخ، ليست العلّة في النوايا الأميركية، إنما العلّة داخلية، تلك التي نستشعرها جميعاً ونعاني أعراضها التي يعترف بها سياسيونا وحكوميونا، عن قصد أو بغيره، ويبثونها صريحة واضحة في تصريحاتهم وتشريعاتهم. وما الحوار المتردي الدائر حالياً وما يصحبه من غضبة فوارة عارمة تجاه التقرير الأميركي سوى عارضين ملحين يدلان على تقدم مرحلة المرض وخطورة درجته.

بالطبع، لا بأس أن تعلن أي دولة دينا رسميا لأغلبيتها المواطنية، فالعديد من الدساتير العلمانية القوية تأتي على ذكر الديانة الرسمية للبلد، ولكن، أن يعلن أن التشريع في الدولة قائم على توجه ديني محدد، فهنا تدخل هذه الدولة مباشرة في دائرة التمييز الديني، هذا ليس حكماً أو تقييماً، إنه المنطق الواضح. فاعتماد الدولة المؤسسي على توجه عقائدي محدد في تشريعاتها يقصي بقية العقائد ويفرض على أصحابها توجهاً دينياً غير توجههم، وذاك هو التمييز. ولا يقف التمييز عند «أول درجة» ها هنا، فلكل توجه عقائدي خط تخصص أكثر دقة، فالدولة التي تعلن التزامها بالإسلام تشريعاً لابد أن تختار مذهباً تشرِّع من خلاله، وهنا، تُقصى بقية المذاهب ويستتب التمييز كأسلوب معاملة. وهنا يجب الإشارة الواضحة إلى أن الحديث الوارد في التقرير يتعامل مع «التمييز» وليس الاضطهاد، أي التفرقة بين المواطنين في حصولهم على حقوقهم على أساس من التوجه الديني، وليس تعذيب المواطنين أو اضطهادهم على أساس هذا التوجه.

وهذا التقرير تناول الظروف الدينية في دول عدة بالنقد الشديد منها إسرائيل الحليفة المدللة لأميركا، فهو لم يُصَغ نكاية بالكويت وتربصاً بمسلميها وبثاً للطائفية فيها، فطائفيتنا منا وفينا، ولا أعتقد أن أميركا تحتاج إلى تدبير تقرير بليل من أجل هذا الغرض الفظيع. يبقى هنا أن نتعامل مع الفكرة بحد ذاتها: هل لدينا حريات دينية، وتعامل حكومي متكافئ مع التوجهات العقائدية كافة؟ حريات دينية؟ نعم، موجودة حبر على ورق، أما تفعيلها، فبالله كيف نكذب في عين الشمس المسلطة على تقرحاتنا؟ الأدلة أصبحت مملة من كثرة تكرارها، ولكن لا بأس من الإتيان على «أفضلها»: الجنسية ممنوعة على غير المسلمين… ممنوعة يا ناس على غير المسلمين… محجوبة يا قوم على غير المسلمين، والله إنه دليل يستحق أن ينقلب إلى نشيد وطني جنائزي. ومن هذا الدليل وأنت هابط درجات التحيز والتمييز، وصولاً إلى التمييز الطائفي بين الشيعة والسنّة. نعم، ليس الوضع بالسوء الذي يعانيه بعض الجيران، وشيعة الكويت يتمتعون بحقوقهم وحرياتهم وفرصهم الطيبة، ولكن تبقى تلك الفرص غير متكافئة، ولا أدري لمَ نبقى نقارن أنفسنا بالأسوأ؟ ولماذا نرضى بالوضع المقبول وليس الصحيح العادل؟ وها هو مسجد عبدالله المبارك الشيعي الضخم الواقع خلف بيتي يصبحني كل يوم بدليل قائم على الصراع الطائفي البائس الذي شهدته أرض هذا المسجد، وها هي المناهج الدراسية تتعنصر ليس ضد الشيعة فقط، ولكنها تتعنصر ضد السنّة كذلك في تمييز واضح للفكر السلفي المغالي عما عداه.

وبسذاجة محزنة، ينادي البعض بإنقاذ وحدتنا الوطنية كلما هبت رياح الفرقة بيننا، ولا أدري ما قصة وحدتنا الوطنية المسكينة هذه؟ إن تحدث إنسان بخزعبلات قديمة وعلى بعد أميال كثيرة هدد وحدتنا الوطنية، وإن دخلت كتب تخصصية «لطرفي الوحدة» تهددت الوحدة وتردت على أعقابها، يصرح فقيه هذه الدولة «تتكعبل» وحدتنا الوطنية، ويفتي شيخ تلك الدولة تتأزم وحدتنا الوطنية، ويصدر تقرير ها هنا، وتكتئب وحدتنا الوطنية، ويعلن رأي ما هناك يغمى عليها وحدتنا الوطنية، و»بعدين في فقر الدم هذا»؟ يبدو أن وحدتنا المسكينة وصلت مرحلة خطيرة تستلزم عزلها التام والمطلق، مثل مرضى فقدان المناعة، من أي تواصل مع العالم الخارجي، نضعها على سرير المستشفى الأبيض و»نحوطها» بعازل ونسرب لها أوكسجين أنابيب حتى لا ينالها شيء من مظاهر الطبيعة من حولها يمرضها أو يجرح مناعتها المفقودة أساساً.

تقرير الخارجية الأميركية يثير الغضب لأنه ينكأ جرحاً مفتوحاً، جرحاً قيَّح وحدتنا الوطنية، والتي قد يكون تقيحها السبب في فتح الجرح أساساً، يعني لغز أسبقية البيضة أم الدجاجة، لذا يكمن الحل الحقيقي في أحد اثنين: إما أن نرقد على البيضة و»نكاكي»، وإما أن نتعامل مع المشكلة بالفعل لا بالكليشيهات، فنمدِّن الدولة ونسر بها بعيداً عن الوحدوية الدينية العنصرية.