«ريسايكل»

من ذاق الغربة لا بد أن يشعر بهول ما يحدث، من خبر البعد عن الأهل والأمان لا بد أن يتواصل وألم وافدينا ها هنا، والشرطة تدق عليهم أبوابهم دون سابق إنذار، يقحم أفرادها رؤوسهم من فتحة الباب، يطالبون بالأوراق أمام أعين قلقة وأياد راجفة ورعب محقق على الوجوه.

سيكون للفيديو الذي انتشر لشرطتنا «بالتريننغ» يمشطون المساكن الفقيرة، يقتحمون خصوصية أفراد لم تثبت إدانتهم، ولا يملكون أي حق قانوني في تفتيشهم، يدقون الأبواب ويطلبون الثبوتيات دون أدنى ذنب مثبت ارتكبه هؤلاء، لتحشر بعدها مجموعة منهم في باص يعلو فيه صوت أحد أفراد الشرطة طالباً منهم عدم استخدام التلفون النقال دون سبب أو حجة أو حق، سيكون لهذا الفيديو، الذي لا أفقه سبباً لتصويره أساساً، أسوأ الأثر على موقف الكويت الإنساني. إلا أن هذا لا يعنيني كثيراً، ليست سمعة الكويت هي ما تقلقني بل قلبها وروحها الطيبة وإنسانيتها التي لا يعوضها جميعاً أي سمعة رنانة أو مكانة طنانة. لقد تغير قلب البلد منذ فترة، تفشى العنف البوليسي تحت الكثير من الذرائع، أصبحت أخبار قضايا الرأي وعقوبات الحبس مألوفة لدينا، بل باتت تسجيلات الإعدام تبث على شاشاتنا دون أدنى احترام لقدسية الحياة. انتشرت الكاميرات تسجل خطونا وتحسب علينا أنفاسنا حتى ونحن داخل سياراتنا، تفشت فكرة المراقبة، على «تويتر»، على «الواتس آب»، على إيميلاتنا، وكل ما نرسل على الفضاء الإلكتروني. أصبحت الحياة مقلقة محمولة كلها في يد رقيب ما، لا نعرفه، لكننا نشعر به يتلقفنا على الفضائيات، يصورنا في الشارع، يراقب تحركاتنا على الإنترنت، ثم يظهر لابساً «تريننغ» مقتحماً أبواب فقراء مساكين، لا يملكون إلا وجوهاً معفرة بالرعب وأيادي راجفة بأوراق لا تغني ولا تسمن من جوع في بلد يجلب أغنياؤه العمالة الوافدة لتتلقفها قوات الأمن وتعيدها من حيث أتت بعد شهور أو سنوات من العيش الضنك والحرمان من الرواتب في بلد العز والرخاء. إنها قمة التدوير، يجلب الأغنياء العمالة الفقيرة، تستخدم لفترة، ثم تعيدها الشرطة إلى بلدها لإعادة التصنيع.

أقلق على قلب الكويت، على نفوس أهلها التي أضناها القلق وأرعبتها الحجة الأمنية، حتى بتنا نقبل بأشد الإجراءات، بأن تتحول الكويت إلى مجموعة حواجز أمنية، بأن يصبح منظر نقاط التفتيش مقبولاً، منظر العمالة مكومة تحت ناظري شرطي مألوف. ليست دولة الأمن والأمان هي تلك المحكومة بقبضة من حديد، بل هي تلك المحكومة بقلوب من ذهب، أهلها يخشون عليها أكثر مما يخشون من شرطتها، شوارعها آمنة مطمئنة دون منظر سيارات الشرطة والنقاط الأمنية، شرطتها حاضرة فور الحاجة إليها، والحاجة ليست حاضرة طوال الوقت لهذه الشرطة. ذاك يتأتى بتغيير مفاهيم المواطنين، تحميلهم المسؤولية وتغيير القاعدة الأساسية في تفكيرهم وتعاطيهم للأمور. يتحقق كل ذلك بخطة طويلة الأمد، هادئة الخطو، بعيدة النظر، فيها قليل من الشرطة وكثير من الإصلاح النفسي الإنساني، أما ما يحدث اليوم، كثير من الشرطة وقليل من الإصلاح، فلن يؤتي سوى الكثير من الخوف والقليل من الالتزام، ونقول بذلك على الدنيا السلام.