أكشن

هل من واجب الدولة أن تحمي سكانها من النار؟
يلح السؤال بكوميدية كلما سمعنا عن محاولات جديدة في دول شرقنا الأوسط لبسط النفوذ الديني متلبساً ثوباً قانونياَ. لماذا تصر الدولة، ذات التقنين الديني، على تنظيم حياة أفرادها الأخروية وهي المنظومة التي يجب أن تكون معنية بالحياة الدنيوية؟
ما هو الدور الأول المنوط بالدولة، أن توجه شعبها أخلاقياً، أن تقومه سلوكياً، أم أن تنظم حياته لوجستياً؟
كل هذه أسئلة ملحة نقف أمامها ونحن نعيش على بقع جغرافية متناقضة وزمنها، بقع حاضرة بجغرافيتها في القرن الحالي، وعائدة بآيديولوجيتها الى قرون عدة مضت، فتجدنا معلقين، دوماً معلقين، بين فكر حديث لا يعرف الحدود، وحدود غابرة لا تعرف التفكير.
إذن هل تحاول الدولة الإسلامية أن تحمي سكانها من دخول النار؟ أن تضمن لهم حياة أخروية موفقة؟ هل، عن طريق التشريع الديني وفرض ما يعتقد أنه أخلاقيات عقيدة معينة، تحاول الدولة إصلاح الأفراد ليصبح كل منهم مؤمناً تقياً حتى توصله في نهاية المطاف الى الجنة؟ أم أن الدولة في فرضها للقانون الديني تحاول حماية المجال العام بإضفاء طابع ورع محافظ يجعل منه بيئة دافئة للملتزمين وحارة حارقة للخارجين عن الصف؟
إنه من المضحك المبكي أن يكون هناك اعتقاد بأن للدولة، هذا التكوين السياسي الإداري، لهؤلاء الموظفين الذين يفترض أنهم يعملون جميعاً «عند» الشعب، دور في إيصال أفرادها إلى حياة أخروية ناجحة، حماية لهم من النار ووصولاً بهم الى الجنة. لا أعتقد أن هناك إمكانية مناقشة هذا الدور دون أن تأخذك نوبة ضحك وأنت تتخيل الدولة تتلبس ثوب والديك محاولة دفعك، ترهيباً وترغيباً، للمواظبة على الصلاة أو الإلتزام بالصيام محبة بك وخوفاً على مصلحتك الأخروية، أو وأنت تتصورها ملتحفة عمامة إمام مسجدك وهو يصور لك فظاعة آثامك وطريق التوبة عنها.
ليس هذا بثوب الدولة ولا يمكن أن يكون دورها، فالدولة ليست أباً ولا أماً، والدولة ليست إماماً ولا خطيباً ولا واعظاً، الدولة مجموعة موظفين، في الغالب خطاياهم تفوق خطايا شعوبهم، وآثامهم تجب ما يصدر عن محكوميهم، منوط بهم تنظيم حياة هذه الشعوب، وهي المهمة التي، بالرغم من سهولتها مقارنة بالمهمة الأخروية، غالباً ما يفشلون ببراعة في إتمامها.
إذن يبقى الاعتقاد الثاني والذي يقول بأن على الدولة أن تحمي الطابع المحافظ العام وإن كان رغماً عن أنف بعض أفرادها الذين ينظر لهم على أنهم خارج دائرة العام المقبول. الدولة التي تمنع إشهار الإفطار في رمضان على سبيل المثال تكيف قيدها على أنه حفاظاً على «إسلامية» الشارع وطابعه العام الورع وإن كان الأفراد على غير هذا المنحى، فهل يا ترى يحفظ هذا التوجه ذاك الشارع العام أو يدفع بالأفراد الى ورع لا يرغبونه أصلاً؟ لربما الناتج الوحيد عن سياسات الدولة التي تحشر الممارسة الدينية في حلوق الناس هي خلق أفراد خرس منافقين، في محيطها هم صامتون، يبدون غير ما يخفون، دوماً ما يخرجون خارج حدودها ليمارسوا حرياتهم، وبسبب الكبت، ينطلقون بصورة مفزعة في ممارسة هذه الحريات، حتى ينتهكوها وينهكون أنفسهم معها، ثم يعودون لأرض الوطن لتمثيل الدور الذي اعتادوه من جديد.
كيف يمكن لنظام كهذا أن يكون ذا أي فائدة؟ أي نظام عام تحميه الدولة وأفرادها يستخدمون أرضها كبلاتوه كبير لا يتوقفون عن التمثيل فيه؟ أي استتباب لأخلاق إذا ما لم تتأت من إرادة حرة؟ أي تأصيل لورع إذا ما لم يتحقق عن اختيار حر مطلق؟
إن الدولة التي تحاول «تديين» أفرادها، لا تهدف سوى الى القبض سياسياً على أعناقهم بقبضة ملفوفة بقفاز الدين، لا ترمي سوى الى توزيعهم كحطب شطرنج على أرضها الدنيوية، فالدولة لا تعرف عن الدين أكثر مما يعرف الأفراد، لا وساطة لها الى طريق الجنة أو النار، هي مؤسسة سياسية، غالباً خرابها أكثر من صلاحها، وليس الدين بالنسبة لها سوى قفاز آخر، مشهد تمثيلي تحكم به الأفراد جميعاً في أدوارهم المكتوبة التي ليس لهم أن يخرجوا عن نصوصها.
وها هو رمضان يحضرنا مجدداً، ينعاد عليكم بكل خير، ومعه قوانين منع المجاهرة بالإفطار، لمَ؟ حمايةً لورع الدولة ورعايةً لمشاعر الصائمين، وكأن للدولة ورعاً، وكأن ورعها يتأثر اذا وضع أحدهم لقمة في فمه نهار رمضان، وكأن الورع دواء على الدولة أن تجرعه للجميع، وكأن الصائمين ترهف مشاعرهم حد أن كل مفطر يخدش هذه المشاعر، وكأن مشاعر الصائمين لا تخدش سوى في الدول الإسلامية، أما في الغرب، فلا تخدشهم البارات المفتوحة على مدار السنة وإبان صيامهم، وكأن التحدي لصومهم يتأتى من شربة ماء يدلقها عامل فقير في شارع عام صباح نهار رمضاني حار.
متى تنتهي تمثيليتنا السخيفة؟
كل عام والجميع بخير