نقتل القتيل ونمشي في جنازته

كما ان هناك تفجيرا لمساجد في السعودية، هناك تفجير لمساجد في العراق. يا لها من جملة حزينة مقيتة، أصبح من يريد دفع تهمة الطائفية عنه يستحضرها لتحل كاللعنة، أصبحنا نثبت محايدتنا بتوجيه إصبع الاتهام بالتساوي، مرة شرقا، مرة غربا، غير مستوعبين ان الدموية هذه، شرقية أو غربية، سنية أو شيعية، هي ذنبنا جميعا، هي مصابنا جميعا.
هل يعني ان تنتمي للطائفة الشيعية ان تلعب دور الضحية في حادثة تفجير مسجد القديح في السعودية؟ هل انت في زاوية المظلومين؟ في طرف المقموعين؟ أكلما انفجرت سيارة في العراق، تنوح انت بانتمائك للطائفة السنية وتبكي دموية الطائفية المستحدثة؟ لا ضحايا هنا اليوم، كلنا في الجرم خنجر.
إذا كنت من أصحاب نظرية الفرق الناجية، إذا كنت تعتقد أنك على حق وسواك على باطل وأنك على صواب «لا يحتمل الخطأ» فأنت قد ساهمت ولو بقلبك في الأحداث الدموية وهذا أضعف الإيمان. إنها مسيرة ما يزيد على الألف سنة من التأكيد على أن الحق أحادي الاتجاه، والحقيقة عوراء ذات عين واحدة، وهذا الحق وهذه الحقيقة يحتاجان لمن يدافع عنهما، والخالق الذي أرسل هذا الحق وهذه الحقيقة يحتاج لاصطفافنا، يطلب دفاعنا، ويصر على إراقة الدماء في سبيل حق وحقيقة توارثنا فكرتهما دون أن نتوارث طبيعتهما.
كلنا في الحرب حربة، كلنا في الأسى قطرات دم، «نحن الضحية والجلادون نحن»*، نحن ضحايا فكرنا، نحن نجلد بعضنا بعضا بآرائنا، بالحق الذي يدعي كل طرف امتلاكه دون غيره. الغريبة، أنه بعد كل حادث دموي بشع يهب الناس بتفاجئهم، يستنكرون ويشجبون، يؤكدون على السلام والتآخي والمحبة، وإن كنا نرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي اليوم الوجه الحقيقي للكثيرين الذين يعرون أحقادهم المتوارثة وتعصبهم عبرها دون أي محاولة تزيينية، حتى لتعتقد أن العالم العربي الإسلامي كله يد واحدة، ثلاثة أيام، في رابعها، يعودون ثلاثة وسبعين فرقة متنافسة، واحدة فقط ستفوز، وفوزها لن يكون بالسهل أو رخيص التكلفة.
أريقت دماء المصلين الشيعة في مسجد القديح على سجاجيده القشية، كما أريقت دماء المصلين السنة في مساجد العراق على سجاجيدها القماشية، دماء والمزيد من الدماء تروي أرضنا الصحراوية كل يوم والسبب اختلاف نوعية السجادة، فما نتوقع؟ شجر تفاح وعناقيد عنب أم حنظل ومر؟ ماذا يفيد القتلى النواح والتباكي والعزاء الآن؟ هل تطفئ لهيب ذويهم جمل مستهلكة تستعرض المحبة والتآخي كأنها غسيل منشور لملابس داخلية قديمة تفضح أصحابها أكثر ما تسترهم، ملابس بهت لونها وانسل قماشها من شدة ما غسل ونشر في الشمس ودونه بقعه لا تزول؟
الأكرم لنا أن نسكت تماماً عندما تأخذ واقعة دموية كواقعة القديح مكانها الطبيعي بيننا، ومن أحق منا بقتل بعضه بعضا من أجل الحق والنجاة وفكرة الجنة التي ما أورثتنا سوى جهنم على الأرض. وإلى أن تتغير فكرة الحق المطلق إلى الحق المتعدد، وإلى أن تصبح كل الفرق ناجية، إلى أن تتفرع الطرق إلى الجنة وتختفي جهنم، إلى أن نقرأ السلام في القرآن ونتفهم تاريخية الحروب المذكورة فيه، إلى حينها، الصمت التام هو أفضل ما نقابل به صنيعنا، على الأقل هو لن يجذب النظر للغسيل الفضائحي في بلكوننا، فلنسكت، لقد ضج الموتى من «صوت» حزين نحن أحق به منهم.
نسبة إلى كتاب أنا الضحية والجلاد أنا لجوزيف سعادة