حلال بلال

قيادة المرأة في السعودية إنتصار كبير، إنتصار قوي جداً للمرأة في كل مكان في الواقع، هذه المرأة التي لم تعرف كيف توحد قضيتها في يوم، لم تستطع أن تستخدم كلمة «نحن» لتشير لجنسها، «فنحن» بالنسبة للمرأة قد تشير لعائلتها، لطائفتها، لأسرتها، ولكنها لم تجمع بنات جنسها في يوم كما تقول سيمون دي بوفوار في مقالها الشهير «الجنس الثاني». اليوم فرحتنا بهذا الإنتصار جمعتنا، صنعت منا «نحن» تحتفل في كل مكان بهذه الخطوة الجبارة، هو إنتصار، على بديهيته في مناطق عديدة من العالم، إلا أنه يعتبر علامة فارقة للمرأة السعودية ستنقلها بتفاصيل حياتها إلى مرحلة جديدة في صراعها مع الأبوية الشوفينية عميقة الغرس في مجتمعاتنا الشرقية.
ليس هذا الإنتصار بصغير، ليس هو مجرد تقنين لوضع إمرأة خلف مقود سيارة، ليس هو بالكوميدية التي يحاول البعض سبغها عليه، إنه خطوة تحريرية هائلة للمرأة، لتحركها، لجسدها، وحتى لإختياراتها. إن أحد أهم حقوق الإنسان المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هو حق حرية التنقل، والذي بدوره يضمن حريات وحقوقاً كثيرة للإنسان من حيث قراره في تحديد مكان معيشته، أماكن تواجده، ومن حيث تمكينه من تحقيق أهدافه، من الإستمتاع بالحياة، وكذلك من إنقاذ نفسه في الحالات التي تستدعي الإنقاذ. إن حرية التنقل هي حق عظيم لطالما كانت سرقته هدفاً للفئات الأقوى، فالحد من حرية الإنسان في تنقله هو حد من معظم حرياته وحقوقه الأخرى، وهو الطريقة الأمثل للتحكم في الإنسان وإستغلاله بل وإستعباده كذلك.
إن تحصل المرأة السعودية على حق القيادة هو تحصل لها على حق تقرير المصير، هو تحرير لها من سلطة الرجل الذي بإرادته يحركها وبإختياره يقيدها، هو تمكين لها من تقرير حق البقاء مع الرجل من عدمه، تمكين لها من إنجاز أعمالها، تأكيد وصايتها على أبنائها وإعطاؤها القدرة على إتخاذ القرارات المهمة في حياتهم. إن وضع إمرأة خلف مقود السيارة، تمكينها من هذا الحق البديهي الطبيعي، هو إحترام لإنسانيتها ولحقها في الإختيار وتحرير لها من جزء كبير من سلطة كانت وما زالت تربض على قلبها وروحها وحياتها.
القرار يأتي كذلك كمرحلة إفاقة من تغييب الكثير من الفتاوى التي طالما نزلت سياطاً على ظهر المرأة تحديداً، وها نحن نرى اليوم كيف يتكور العديد من الوعاظ على أنفسهم وهم يبررون ويفسرون الإباحة الجديدة والتي أتت لتتصادم مع تحريمهم ورفضهم القديم. اليوم، وقبل الرضوخ لفتوى، يجب على مجتمعاتنا أن تتفكر ألف مرة وتعتبر ألف مرة، يجب أن تتذكر كيف إنقلب الحرام، بقرار سياسي، إلى حلال بلال، كما سبق أن إنقلب تحريم التصوير، وتحريم السينما وتحريم الموسيقى وتحريم المشاركة السياسية للنساء وغيرها بجرة قلم الى حلال بل ومستحب الإستيفاء كذلك. إن قرار قيادة المرأة هو، بغض النظر عن الأبعاد السياسية والفوائد الإقتصادية والتحليلات والتمحيصات، درس كبير في حتمية التغيير، في حتمية الخطوة الى الأمام، في فاعلية قوانين الفيزياء الخاصة بالزمن، في واقعية نظرية داروين الخاصة بالتطور. كل شيء الى الأمام، الى تغيير محتوم، لا ثوابت راسخة ولا طبائع ثابتة ولا عادات أو تقاليد أو إيمانيات محفورة على حجر، حتى الأخلاق والمبادئ لا تستطيع الصمود أمام التغيير الحياتي والتطور العقلي. إنه درس جيد «للسلطات الدينية» أن الزمن والحياة وسرعة التغيير لم تعد جميعها تحتمل سياسة الجزم والشد والرفض والتحريم والتهديد المتبعة سابقاً. تحتاجون للكثير من الليونة والمرونة، تحتاجون دوماً أن تتركوا الباب موارباً منعاً للإحراج ودرءاً للحاجة المؤذية للتبرير وإعادة التفسير اللذين من شأنهما هز الصورة لا تثبيتها.
ألف مبروك للمرأة السعودية وللمرأة في العالم أجمع، والعقبى لكل ما تتمنين وتطمحين.