نفوق برلماني

يبدو أن هناك ظاهرة نفوق سياسي جماعي مماثلة لظاهرة نفوق الأسماك الجماعي الذي أصاب أسماكنا قبل سنوات، ما استدعى الاستعانة بفريق ياباني، حسب ذاكرتي، لدراسة الظاهرة ومعرفة أسبابها. ولا تزال أسباب نفوق «من نعنيهم من سياسيين» غامضة لحد اليوم.

شيء ما أصاب نوابنا لعدد من السنوات، قد تكون الخمس الماضية، يثير فيهم رغبة مرضية للانتحار السياسي الذي ينجح أحياناً، ويفشل أحايين على الرغم من توافر كل مقوماته.

أشك أن شيئاً ما في جو مبنى مجلس الأمة، قد تكون جرثومة هوائية، يثير رغبة النواب في الفتك بأنفسهم سياسياً ما إن يترددوا على هذا المبنى العديد من المرات، قد تكون حربا جرثومية كيماوية يشنها علينا العدو الصهيوني، أو قد يكون عقابا من الله على «فعايلنا»، وما أكثرها هذه الأيام. المهم أن نوابنا يتجهون للفتك بأنفسهم سياسياً، عادة عن طريق إتيان قول، أو فعل قاهر لا يخطر على بال، وغالباً عن طريق إساءة اسخدام حقوقهم البرلمانية بشكل محزن يهز ثقة الناس، ليس بالنائب فقط، بل وبالحق الدستوري وأهميته وثقله.

فمن نائب يرفض الوقوف للنشيد الوطني، الى آخر و«ربعه» الذين يصرون على إحياء ممارسة عنصرية تتضارب والدستور، الى اثنين آخرين يأخذون عزاء إنسان مشبوه في كارثة وطنية، ثم آخر يقدم ويؤخر استجوابه في رقصة تانغو برلمانية، ثم ثلاثي يقررون استجواب أكبر كبير، لأن واحدا لا محل له من الإعراب قرأ قراءة تاريخية «وقحة» من وجهة نظر البعض عمرها ألف وأربعمئة سنة، الى ثنائي يحلفون بعدم دستورية لجنة، ثم ينضمون إليها، إلى واحد خفيف الظل يقول في مقابلة على الهواء إنه رأى وخبر المشكلات الجسيمة لمخالفات الديوانيات، لكنه مضطر للتصويت مع إبقاء الديوانيات من أجل عيون الناخبين، خاتماً بجملة «المجلس صاير لوعة».. حرفياً، وآخر، ليس بخفيف الظل، يقول في معرض رده على مشكلة تجار الإقامات على برنامج تلفزيوني «حلي مشكلة فلسطين بعد»، ويمكنكم تذكر ذاك الذي قال إن حجب اليوتيوب واجب شرعي؟ هو ذاته «تبع» قصة النشيد الوطني، ثم.. ختامه قنبلة، نائب، في مجلس الأمة، يطلب من الأمير حل المجلس حلا غير دستوري وتعليق الدستور، يعني يطلب من سمو الأمير.. «يفنشه» والى الأبد.

يبدو لي أن للنواب رغبة انتحارية قاصرة عن التحقق، فهم يحاولون، مرة تلو الأخرى، القضاء على أنفسهم سياسياً، ولكن لسبب ما، يعيدهم الناخبون الى الحياة بعد كل محاولة انتحار، وكأنهم متمتعون «بالشو» الذي يعرضه لهم النواب، والذي يكلف البلد الكثير من استقرارها وتقدمها المادي والسياسي.

المشكلة الحقيقية في مطلب السيد القلاف حل المجلس حلا غير دستوري، وتعليق الدستور تتعدى كونه نائبا برلمانيا يطلب الفتك بدستوره الى كونه نائبا دينيا برلمانيا يطلب الفتك بدستوره. تلك المشكلة المخيفة قائمة مع كل نائب يخطو للمجلس بغطاء ديني، فتأخذ قراراته صبغة دينية تنسحب على كل الجماعة التي ينتمي إليها. فعندما خاطب الطبطبائي شيخه بن لادن، انسحب الموقف على السلف عموماً، بتهمة تهاونهم، بل وتعاطفهم مع بن لادن، وعندما يطلب القلاف تعليق الدستور ينسحب كلامه على أصحاب توجهه الشيعي عامة، بتهمة عدم احترامهم للدستور كمرجعية وطنية. كلتا الحالتين تنضحان ظلماً للطائفة الدينية، والسبب الخلط السام لشؤون الدين بالسياسة الذي يصم الدين بالخداع السياسي، ويخلق من السياسة ديكتاتورية فكرية لا مكان فيها للآخر.

على أية حال، صحيح أن نوابنا أسهموا جميعاً في إيصالنا الى مكاننا المخيف اليوم، إلا أن الرحلة، والحق يقال، كانت زاخرة بفكاهة ونوادر من أغرب ما سمع مواطنو دولة أو شاهدوا، تلك كانت عينة حديثة، غير مرتبة زمنياً، لنوادر النواب. أما نوادر الحكومة فأخاف.. سحب الجنسية «صاير سهل هذه الأيام».

كاتبة كويتية

ebtehal.alkhateeb@awan.com