نرفع قضية؟

بعد أن كتبت عدة تغريدات ومقالات حول ضرورة إلغاء عقوبة الإعدام خلال الأسابيع القليلة الماضية، وصلتني كمية كبيرة من التعليقات «الاستشكالية» عبر تويتر في رد فعل عنيف على رأيي هذا. ولقد جاهدت نفسي ليس فقط في تجاهل هذه التعليقات، ولكن كذلك في تفادي تأثيرها السيكولوجي التعذيبي الذي قد يسيطر على الروح من خلال افتراضها الأذى على أبنائي وأسرتي وكل من أحب، تصويراً لجرائم متخيلة تجاهي والقريبين من قلبي والتي، يعتقد المرسلون، لا بد أن تغير رأيي حول عقوبة الإعدام. بقيت أذكر نفسي وأنا أقرأ هذه التعليقات أنها كلمات خوف أكثر منها غضب، أنها تشكل ردود فعل؛ ساعة هي ساذجة، وساعة هي خائفة، وساعات هي متعالية، ذلك أن أصحابها يسبغون على أنفسهم الاستحقاق، يتخذون مما يعتقدونه التزاماً وتديناً، حججاً يبررون بها أذى اللسان وبذاءة التعابير وعنف التعامل مع المختلف عنهم ومعهم.
هنا يستحق التساؤل حول العلاقة بين العنف والأخلاق، أن هل هو ممكن ومستحق ومبرر أن تكون دوافع العنف أخلاقية، أم أنها «المبالغة في النبل» والمزايدة في الأخلاق هي تلك التي تدفع إلى العنف؟ هل هناك ما يسمى بالمبالغة في النبل أصلاً؟ هل يمكن أن يكون التدين الأكثر من اللازم، حب الوطن الأكثر من اللازم، الإخلاص للأسرة الأكثر من اللازم وغيرها من المشاعر النبيلة، في مبالغاتها وحدتها، دوافع للسلوكيات الوضيعة؟ بل هل يمكن لهذه المشاعر النبيلة أن تكون مبالغة وزائدة عن حدها حد انقلابها إلى ضدها؟ هل الاتزام الشديد بالعقيدة وحب الوطن والإخلاص للأسرة يمكن أن تكون كلها مصدر تطرف في الأفعال وردود الفعل؟
تأملت كثيرأً في هذه الأسئلة وتخيلت النصح الذي قد يبنى عليها: عليك أن تكون معتدل الإيمان، من المستحسن أن تقلل من حبك لوطنك، ليتك تتزن في إخلاصك لأسرتك، فتبدت كوميدية هكذا نصح. فعلى الرغم من إمكانية المبالغة حتى في أنبل وأشرف المشاعر، في رأيي، فإن أي نصح ينطوي على الاعتدال في المفهوم النبيل لن يكون مؤثراً، ولن يكون مقبولاً أو معقولاً. ولقد استحضرت هذه الفكرة فيما أنا أحاضر في ندوة جمعت عدداً من الشابات الصغار، والتي كان موضوعها يدور حول العمل الإنساني: القضية الفلسطينية مثالاً.
سألتني بعض الشابات عن كيفية التعامل مع قسوة وسائل التواصل، فتطوعت أخريات بالرد حول الإجراءات القانونية التي يمكن اتخاذها وحول ضرورة أن تكون هناك تدابير حكومية مكثفة لحماية الناس من تعديات وإساءات وسائل التواصل. استوقفتهن جميعاً للحظة وقلت: ما رأيكن أن نوسع صدورنا بدلاً من أن نضيق على الآخرين؟
كان للكلمة الأخيرة رد فعل طيب بين الصغيرات، وإن كنت أؤمن تماماً بأن القول أسهل كثيراً من الفعل، وأن التباهي بصياغة الجملة لن يخفف من صعوبة وضعها موضع التنفيذ. وعلى عادة الأقدار اللئيمة، سرعان ما جاءني الاختبار الشخصي الذي سيضع جملتي هذه موضع التجربة الشخصية، الذي سيظهر صورتي الحقيقية أمام نفسي: هل سأتمكن فعلاً من أن أوسع صدري أمام كلام ودعوات وتصويرات لأذى حارق يطال أعز وأقرب الناس إلى قلبي؟ هل سأستطيع تجاوز التغريدات وردود الفعل التي بدت تهديدية في تصويرها لما قد يطالني وأسرتي في محاولة «للي ذراع» عقلي لتغيير رأيي؟ ولقد كنت رفعتُ في السابق عدداً محدوداً من القضايا لأسباب اعتبرتها مؤثرة ومبررة للتقاضي مثل استخدام صورتي تزويراً، أو بسبب تهديدات أمنية، أو تجاه حالات سب وقذف تحريضية قد تفضي إلى العنف. إلا أنني حقيقة، وعلى الرغم من تأييد محاميّ لرفع هذه القضايا لمصلحتي الشخصية والأمنية والسمعاتية، لم أكن مرتاحة تماماً للقرار، حيث كان يلح عليّ باستمرار السؤال أن: ألم يكن من الأجدى أن أتجاهل حتى ما بدا تهديداً واضحاً خصوصاً لاستشعاري في قرارة قلبي أن هكذا تهديد لن يتحول إلى فعل حقيقي؟ أليس التهديد والوعيد والسب والقذف، ديدن الجبناء المختبئين خلف شاشاتهم غير المعرَّفة الذين لن يتجرؤوا في يوم على أكثر من كتابة كلمات مجهولة النسب؟
ثم جاء هذا الاختبار الشخصي الجديد ليضعني أمام كمية سب وقذف وإيذاء تقترب كلها إلى حد كبير من التهديد المباشر. كان رأي المحامي أن نرفع القضايا المستحقة والتي قد تحمي الفكرة والحق القانوني، وكذلك قد تحقق بعض التعيضيات المؤثرة، وكان عقلي يلح علي بما أنادي به مراراً وتكراراً من أهمية وأسبقية حرية الرأي عن كل ما عداها، لربما حتى عن الكرامات والمشاعر، وكان قلبي يرق لمن خلف الشاشات، لربما هو شاب صغير أو سيدة كبيرة أو العكس، أو لربما هو شخص غير مكتمل الأهلية، أو قد يكون مكلوماً متألماً في حياته فنفَّس ألمه في شخصي، في اللحظة التي استعرضت فيها الرأي القاسي على روحه وفكره، أو قد يكون محزوناً على دينه مغتاظاً على عروبته فاستشعر أنني جزء من الهجوم، ربطاً لرأيي بفكرة غريبة عن الدين والمنطق العربي، أو قد يكون مخدوعاً، طبعأً بالنسبة لي، بفكرة سيئة كوّنها عني، أو قد يكون مجرد إنسان بذيء سيئ الخلق، أو لا تكفيه روحه المظلمة ولسانه السليط مصيبة وعقاباً لنفسه؟
حقاً، استقر القرار إلى عدم رفع القضايا، إذ يكفيني العدد المحدود الذي تم رفعه مسبقاً ثقلاً على ذاكرتي. آثرت أن أنتصر للحرية ولو على حساب بعض من التأثر النفسي والوجع الروحي، فهذان سيشفيان بعد يوم أو يومين، إلا أن القضايا ستبقى وتمتد لتؤثر في حيوات عدد من البشر، بمن فيهم كل الطاقم القانوني والقضائي المثقل بقضايا وسائل التواصل التي تكاثرت مؤخراً بشكل لا يصدق.
لا أريد أن أساهم في هذا الوجع الذي قد ينال كل طرف في عملية رفع القضية، أود أن أسامح وأغفر وأتعاطف وأتفهم، وهي كلها أفعال غاية في صعوبة التنفيذ، إلا أنه في محاولة إتمامها تمرين للصبر وتليين للقلب وشفاء للروح.
في هذا الاختبار الأخير، لربما لن أسامح أو أتعاطف أو أغفر، لكنني ممكن أن أتفهم، سأحاول أن أتفهم، ليكون عزائي في انتصار الحرية.