… فالمصيبة أعظم

أنا لا أعرف البدون واحداً واحداً، ولا أضرب الودع وأقرأ ما في القلوب، لكنني أضرب الأحداث في بعضها وأقرأ الوقائع ونتائجها. من الذي يهمل ويماطل ويعرقل؟ من الذي يرفض تحويل ملفات البدون إلى القضاء ليبتّ فيها؟ من الذي يقدم الوعود لكي ينكثها؟ من الذي يصر على امتلاكه أوراقا ثبوتية للبدون ثم يتراجع عن إظهارها؟ من الذي يتركنا جميعاً غرقى هذا التجاذب الاجتماعي والنفسي والإنساني؟

أنا لا أميز دهاليز السياسة ولا أفقه سبل المسير فيها، ليس لي إلا عقلي أستعين به للوصول إلى التبريرات المنطقية لما يحدث. الحكومة وجهازها المركزي يقولان عندنا أوراق ثبوتية تدلل على أصول البدون غير الكويتية، الحكومة وجهازها إلى اليوم لا يظهران أياً من هذه الأوراق. الحكومة وجهازها يقولان بوجود قيود أمنية على البدون تتعلق بما قد يصل لحد الخيانة العظمى، الحكومة وجهازها يتركان “المقيدين” طلقاء يعيشون في الكويت دون أوراق ثبوتية، وبقضايا خطيرة معلقة في رقابهم، الحكومة وجهازها يقران أحد عشر حقاً، الحكومة وجهازها يقدمان أقل القليل منهما إلى أن يتوقف التقديم كله، الحكومة وجهازها يصران على حق الإنسان في التعبير السلمي عن رأيه، الحكومة وجهازها يلقيان “بالمجرمين” ممن حملوا صور الأمير وعلم الكويت في مظاهراتهم السلمية في السجن ويحرمان ليس فقط المتظاهرين ولكن أسرهم كذلك من الحقوق الإنسانية، الحكومة وجهازها يعدان بتوفير وظائف للبدون، يذهب البدون للتقديم، الحكومة وجهازها لا يبعثان بورقة يتيمة للجهات المعنية لتوفير الوظائف ولقبول البدون. الآن، أنا سيدة ساذجة وبسيطة، هل لخبراء السياسة أن يشرحوا لي هدف ومقصد ومرمى الحكومة وجهازها المركزي؟

لقد قتلت القضية بحثاً ودراسة وتحليلاً وتمحيصاً. خمسون سنة و”الخبراء” يدرسون والحكومة تماطل، ترى، هل هناك أي نتيجة تتوقعها الحكومة من هذه المماطلة؟ ربما، كلما امتد العذاب، يدب اليأس فيظهر البدون، الجيل الخامس الآن، أوراقاً توارثوها عن أجداد أجدادهم، وربما يغادرون الكويت ويتركون خيرها لأهلها، لكن الحكومة تعرقل حتى طلبات الهجرة واستصدار وثائق سفر، إذن الحكومة لا تريد للبدون أن يغادروا أرض الكويت. طيب، ربما الغرض من المماطلة هو التذويب والتبخير، لربما يذوب البدون، أو يتبخرون، أو تصيبهم جميعاً حالة من العقم فيتوقف نسلهم وتتبدد قضيتهم، لكن الحكومة تجلسهم في بيوتهم، لا عمل ولا شغل، تمنعهم التعليم وتحجبهم عن الاختلاط بالمجتمع، يتكاتف عليهم العزل والضعف الثقافي والملل والقهر، فينجبون أولاداً، والمزيد من الأولاد، إذن الحكومة تشجعهم على زيادة النسل.

أنا لا أعرف، وأنا لا أعرف ليس فقط لأنني ضعيفة سياسياً، ولكن لأن الحكومة لا تكلمنا، لا تشرح لنا. الحكومة تقول باحترام حريات الناس، ثم تعتقلهم في مظاهرات سلمية، وتقول سيتم توظيف البدون، ثم “تنسى” أن ترسل خطابات رسمية بالشأن للجهات المختصة، وتقول سنبدأ بالتجنيس ولا تبدأ، وتقول من خلال وزيرها “قضيتكم في رقبتي” ولا نرى إلا رقبة البدون في القضية، كلما قالت الحكومة شيئاً، قامت وفعلت ما هو ضده تماماً. فما هو التفسير؟ كم أتمنى أن تكون هناك خطة صلبة خلف هذا التكتيك، والله إنني أتمنى أن يكون هناك مخطط شرير فادح الذكاء، عن ألا يكون هناك شيء مطلقاً، فأن تكون هناك خطة شريرة فتلك مصيبة، ولكن ألا يكون هناك شيء مطلقاً خلف كل هذه القرارات والتحركات الحكومية؟