عمري 47

أعمل منذ سنوات عدة على قضية عديمي الجنسية في الكويت كونها القضية الإنسانية الأولى في البلد، حتى وصلنا إلى العمل مع فريق قانوني حقوقي متكامل متبنى من جمعية المحامين الكويتية لتقديم مقترح بقانون يمكن له أن يقدم حلا عادلا للمشكلة.

وعليه، نقوم حاليا بعمل تثقيفي وتوعوي مستمر حول القانون من خلال وسائل التواصل الاجتماعي على أمل أن يساندنا عدد من أعضاء مجلس الأمة، من خلال تبني القانون ومساندة له.

ليست هذه الفرشة هي موضوع المقال في الواقع، إنما هي تخدم الموضوع الذي أردت توضيحه إشارة لعمق الهوة الموجودة في مجتمعاتنا بين القضايا والخطاب العام خصوصا إذا كان في جانب العمل… امرأة.

فيما أنا أعمل مع فريق العمل على القانون، وفيما نحن نخوض غمار مناقشات ومحاورات داخل وخارج وسائل التواصل الإلكترونية، تصل بعض الرسائل من مغردين عبر موقع تويتر تحديدا مناهضة للمشروع وناقدة له ولكن بأسلوب يستدعي نظرة فلسفية عميقة لطريقة تفكيرنا كما ويستدعي منظور فكاهي مظلم للموضوع.

وصلت أكثر من تغريدة مناهضة للموضوع، كما وسبق أن أتت مثيلاتها سابقا تجاه مواضيع أخرى مختلفة، لتشير إليّ على أنني “عجوز” نقدا لتوجهي العملي، فنصّت أحدها مثلا على قول “القروض والفساد ما تكلمتي عنهم يا العجوز”، وأخرى أتت لتقول “نعم وينج عن الفساد يالعجوز…”.

أعدت نشر التغريدتين متسائلة لم يعتقد الناس أن كلمة “عجوز” هي إهانة؟ لم أرتكب خطأ، أنا أتقدم بالعمر مثل كل البشر، فما ذنبي الذي تصمني به التغريدات؟ لأكمل القول: “وما علاقة كوني عجوز أو شابة بالقضايا التي نتكلم عنها؟ منطقيا لماذا تعتقدون أن وصف المرأة بالتقدم بالعمر إهانة؟”.

في الواقع، يوم وشهر وسنة ميلادي منصوصين على حسابي في تويتر منذ أن أسسته، وزمن وجودي على الأرض ليس سرا، وتقدمي في العمر ليس “خطيئتي” انفرادا، بأي التهم تصفني هذه التغريدات؟

أتت ردود الفعل وعلى مدى ثلاثة أيام بلا توقف خلابة فعلا. التعليقات في أغلبيتها الساحقة سخرت من الفكرة، العديد منها أتى مجاملا بلطف ومرضيا لغروري وهو ما أود أن أشكر عليه معشر تويتر جميعا على لطفهم وحسن مجاملتهم محاولة لتطييب خاطري الذي لم يمرض حقيقة سوى بغرابة الاتهام لا بنوعيته.

ولقد كتب Sager Black مثلا قائلا “مدام تظلين ساكتة فـ “أنتي أخي وأمي وزوجتي وابنتي ونصف المجتمع وطريقي إلى الجنة”. ولما تتكلمين وتطالبين بأي شيء “عجوز وقاصر ومراهقة وناقصة عقل و و و. عندنا وصف لكل مراحل المرأة مقرون بصورة سيئة في العقول! لايزال هذا المجتمع يثر دهشتي بعظمة التناقض والـGap الفكري بداخله”. ثم أرسل تغريدة أخرى تقول “لأن المرأة ما زالت فكرة داثرة في عقول بعض أفراد المجتمع. تخلف وقلة احترام وقلة ثقافة. هذا من النوع إللي يغرد “أمي جنتي” وبنفس الوقت يغرد “ناقصات عقل ودين”. شيزوفرينيا مجتمعية من النوع الثقيل”.

أثارت التغريدتين الموضوع من منطلقاته اللغوية في تفكيري، ولقد سبق أن كتبت في موقع الحرة متحدثة حول وصفنا كنساء “بالخراتيت والأبقار” وغيرها حين الظهور للمطالبة بالحقوق النسائية علنا، لتأتي الآن “الاتهامات” بالتقدم بالسن حين الظهور دفاعا عن قضايا إنسانية خالصة.

ترى ما المرمى من هذا الاستخدام اللغوي؟ وكيف تنسجم الجملة الكليشيهية المتكررة المملة مثل “المرأة هي الأخت والأم والزوجة والابنة” مع توصيفات مثل “يا عجوز أو يا بقرة”. أعتذر عن استخدام المفردات هكذا بكل صلافتها، ولكن كيف يتبين لنا عمق الداء إن لم نفعل؟ كيف نقيم درجة الفصام والشيزوفرينيا إن لم ننظر في انعكاساتهما الثقيلة على اللغة؟

المرأة لطالما كانت على طرفي النقيض التقييمي، هي إما ملاكا أو بائعة هوى، إما شابة يانعة أو عجوز شمطاء. الغرب تخطى هذه المرحلة حين ظهرت فيرجينيا وولف وغيرها من المنظرات النسويات ليطالبن المرأة “بقتل الملاك الذي بداخلها” ولممارسة شيء من الأنانية لتحقيق ذاتها. عندها بدأ المقياس يوفر أرقاما وسطى، وبدأت تظهر للمرأة مواقع بين تلك التي للأم الملاك واللعوب الفاسقة، بين هذه التي للشابة المرغوبة التي تمثل الخير والعجوز المكروهة التي تمثل الشر، حيث وصلت “عجائز” النساء في الغرب اليوم لقيادة دولهن ولتحقيق إنجازات غير مسبوقة لها.

عندنا، لم يتغير الوضع كثيرا، لا تزال ذات أدوات النقد مستخدمة، لربما لأنها لا تزال الأنجع. لمّح على شرف المرأة، سترعبها؛، أشر إلى قبحها، ستحرجها؛ اذكر عمرها، ستعجزها؛ ذكرها بأن مكانها هو البيت والمطبخ ستتفه آراءها؛ اذكر بسخرية دورتها الشهرية وهرمونات حملها وولادتها، تحولها لمادة فكاهة وتندر تجرح كبريائها وتخدش محافظتها التي كبرت عليها في الشرق الأوسط.

ولكن لربما يستوجب على مستخدمي هذا المنطق أن يتذكروا: أن دماء دورة المرأة الشهرية هي التي صنعتهم ليقفوا اليوم بلا حياء طاعنين بها وبدمائها الثمينة التي تكلفها من بدنها وصحتها كل شهر خلال الجزء الأكبر من حياتها؛ أن تقدمها في السن يضيف خبرة وحنكة لعقلها، يفترض كما يضيف لعقولهم الذكورية التي يبدو أنها لا تنضج أبدا؛ أن تحررها في حياتها، إن اختارته، هو ممارسة إنسانية مستحقة تشرفهم بوضوحها وصراحتها.

بلا شك “الاتهام” بالتقدم بالسن مرتبط “بانتهاء صلاحية” الإنجاب بالنسبة لهؤلاء الذين لا تعني لهم المرأة أكثر من كونها وسيلة مد السلالة، وما يغفلونه جهلا أن للرجال زمن انتهاء صلاحية كذلك، وأن العلم يقول في الواقع إن المرأة كائن حسي أقوى وأطول عمرا في جسديته من الرجل.

لطالما استخدم الذكور (وهؤلاء قد يكونوا بيولوجيا رجال أو نساء) العمر لتخويف المرأة كما تقول إحدى المغردات بأن “الرجال أقنعوا المرأة أن عمرها خطيئة حتى يستعملونه ضدها” فعلام الاستسلام لهذه الفكرة البائدة اللامنطقية؟ ولم نخبئ أعمارنا كأنها ذنب ارتكبناه؟ سنة ميلادي هي 1972، أبلغ اليوم من العمر 47 عاما، نظري لم يعد كسابق عهده، طاقتي قلت كثيرا، الشيب الذي لا أحب لونه ولذا أصبغه بلون شعري الأصلي يملأ رأسي إن تركت له المجال، والآن ما علاقة كل ذلك بقضية عديمي الجنسية وبالقانون الذي عملنا عليه لسنوات عدة؟