صراصير

ليس انتصاراً في الواقع أن تقضي على المعارضة بهذه الصورة وتفتتها وتشتتها، فليس هناك بلد حديث مستقر ليس فيه معارضة، فالمعارضة بروافدها أياً كانت هي، بخلاف كونها تعبيراً عن الصوت الآخر الرافض، وتأسيساً لمبادئ الحرية السياسية والديمقراطية، هي مجال للتنفيس، مجال لتخفيف حجم الغضب في الأنفس المختلفة مع سياسة بلدها.

لقد صمت البلد، لا تسمع فيه سوى صرير الصراصير في عتمة الليل، وفي النهار يخوي البلد على عروشه، فلا تكاد تسمع سوى صوت تكسر الرمال تحت حذائك، في الصباح صحراء وفي المساء غابة، ومن يصدر صوتاً في أي منهما فإنه يختفي من الخريطة الكويتية.

هكذا اختفى سعد العجمي وقبله عدد آخر من “المزعجين”، اختفوا هم وأبناؤهم من البلد، أو لربما “ضبّ” البلد أغراضه ورحل عنهم، وكلما اختفى شخص من هؤلاء صمت البلد أكثر وأكثر، وهدأت صحراء الصباح وهجعت غابة الليل، وعم الهدوء الأنحاء. كلنا وضعنا ألسنتنا في حلوقنا وقلنا يالله السلامة، فالكثير منا لا يملك سوى معاشه وبيت أرض وقرض والجنسية، فكيف الحال إذا سحبوها؟ إذا كان الكلام من فضة ففي حالنا هذه السكوت من ألماس.

والموضوع ليس فقط سحب جنسية، الموضوع أن هناك مجندين متفرغين في الإعلام وغيره لإفزاع من يتحدث في غير السائد وفضحه واتهامه، كلنا نحب الحكومة وكلنا نعتقد أن “الإخوان” يتآمرون على البلد، وكلنا نعتقد أن المعارضة تريد قلب النظام، وكلنا نعتقد أن “عاصفة الحزم” هي عاصفة من الحكمة تكللت بنجاح منقطع النظير، كلنا نبارك خطوات جيراننا، وكلنا حول ضفة الخليج الغربية أسرة واحدة “راح نموت بعض” من الحب، ومن يقول غير ذلك، أي شيء غير ذلك، فهو يتسبب في تلوث ضوضائي لا ينهيه سوى الاعتقال أو سحب الجنسية، وهكذا تؤسس الديمقراطيات وتبنى الدول الحديثة ويعم السلام.

أن تقضي على المعارضة بهذه الصورة وتفتتها وتشتتها هو ليس انتصاراً في الواقع، فليس هناك بلد حديث مستقر ليس فيه معارضة، فالمعارضة بروافدها أياً كانت هي، بخلاف كونها تعبيراً عن الصوت الآخر الرافض، وتأسيساً لمبادئ الحرية السياسية والديمقراطية، هي مجال للتنفيس، مجال لتخفيف حجم الغضب في الأنفس المختلفة مع سياسة بلدها؛ ولذا فهي صمام أمان مهم لحفظ التوازن وتأمين الوضع ضد الانفجار.

نعم هناك هدوء مريب في البلد، هدوء مخيف لا يبشر بخير، فالخوف شقيق اليأس، ومعاً يقوداننا إلى طريق غير آمن يودي بنا إلى حيث لا نحب ونرضى ككويتيين، جبلنا على غير ما نحيا الآن، ولربما أخطر ما في الوضع أن هناك تجاوباً شعبياً مع الإجراءات القمعية المخيفة، تجاوباً ساذجاً لا يعي أنه يؤسس لمنهجية لربما تدور وتلتفّ حول عنق المتجاوبين ذات يوم من حيث لا يشعرون.

إن الرضا بالمبدأ وتحمل الآخرين من أجله هما تأمين للنفس قبل أي شيء آخر، هما تأمين للحريات الشخصية وللحقوق الإنسانية، وفي رضا الشارع بأي إجراءات قمعية، بل في تشفيه أحياناً بكرب الآخرين، نقطة تحول مخيفة في النفسية الكويتية، وبشارة سوء بصدام قادم لا يتحمله البلد. في المركز الإنساني العالمي تؤسس الحكومات لديمقراطية وحرية ولو كانتا مصدر إزعاج كبير، ويشد الشعب على حقوقه وحرياته ولو كان بينه من الأشخاص من يرفض أسلوبهم ويقاطع منهجيتهم، أما ما يحدث الآن، فلا هو مؤشر على ديمقراطية ولا على إنسانية، فأين نقف من أنفسنا في تعريف أنفسنا؟