تكتيكات

على إثر المهاجمات البشعة المتجددة دائماً على الأقصى وعلى رواد الأقصى، كتب حساب تواصل اجتماعي لمجموعة مناهضة للجرائم الصهيونية وفاعلة في الكويت، أسفل صورة لشارون: «لو يعلم هذا السفاح ما سوف يحدث وراء اقتحامه وتدنيسه للأقصى لما تجرأ». وقفت مطولاً عند هذه الجملة أتساءل أن هل فحواها، هل الإيمان بها، هو ما يثبت المقاومة العربية ويقويها، أم أنه أحد أهم مصادر انهزاماتنا المتكررة؟ يستخدم الصهاينة أحياناً الخطاب الديني اليهودي لإثبات حقهم في الأرض الفلسطينية، يروجون به للداخل اليهودي ويخاطبون به الخارج الشعبي العالمي، ولكنهم بكل تأكيد، لا يحاربون حربهم الفعلية بهذا الخطاب، ليست هذه الكلمات هي سلاحهم، ولا هذا الإيمان هو ذخيرتهم. في الصراع الفعلي، أدواتهم وأساليبهم وعلاقاتهم وتحركاتهم وموازين قواهم، كلها قصص مختلفة تماماً.
في 2006 وعلى إثر اختطاف جنديين إسرائيليين، تعرض الجنوب اللبناني، قانا تحديداً، إلى هجوم بشع من قبل الجيش الإسرائيلي، ذهب ضحيته عدد كبير من الضحايا المدنيين، الأغلبية العظمى من الأطفال. لا تزال صورة طفلة مدفونة تحت الأنقاض، وقد ظهر وجهها فقط على صفحة الأرض المتربة، راسخة في ذهني على خلفية احتفالات حزب الله «بالنصر الإلهي» بعد انتهاء هذه الحركة الدامية. رفع الحزب شعارات النصر ووزع البالونات الملونة والحلوى على الجنوب احتفاء «بالنصر»، لكن هل تذكرون ما فعل الطرف الإسرائيلي؟ انهمكت الحكومة الإسرائيلية وقتها في كتابة تقرير فينوغراد، الذي حمل الجيش والقيادة مسؤولية التراجع الخطير، موجهاً للقيادة نقداً قاسياً لإقحام إسرائيل في صراعات غير مدروسة. وقتها كتبت مقالاً بعنوان «أين فينوغرادنا؟»، ذكرت فيه:
«الإسرائيليون لم يتبنوا نظرية «الستر» والسكوت عن الأخطاء، مثلما يحدث عندنا، فكلما حاول أحدنا نقد أوضاعنا الراهنة قيل لنا “بطلوا تنشرون غسيلنا”. ولكن ها هو الغسيل الإسرائيلي، وبكل قذارته، ينشر على الملأ، والمستفيد هو إسرائيل بكل تأكيد بالرغم من الفرحة والتشفي العربيين الناتجين عن التقرير. فعلى الرغم من أن التقرير فضح خسارة الجيش خصوصاً على المستوى الأرضي، وكشف أخطاء أركان الجيش المهولة وسوء تقديراته التي جرت إسرائيل إلى حرب أضعفت من مظهرها العسكري العالمي، إلا أن التقرير راية حمراء للقادم من الأيام والحروب، التقرير يحاسب «الكبارية»، يقرص أذن الحكومة من أجل مصلحة إسرائيل العليا. فبعد الحرب مباشرة، بدأت إسرائيل حساباً عسيراً مع أركانها، وتهديدات واضحة لمراكزهم السياسية، مزودة إياهم بتعليمات لما قد سيأتي، راسمة خطة واضحة للمعارك القادمة التي يبدو واضحاً أن هناك مخططات سافلة لمباشرتها قريباً. ونحن، ماذا فعلنا؟
نحن وزعنا البالونات الملونة والحلوى على أطفال مات أقرانهم تحت العمارات المهدمة… احتفلنا بالنصر الإلهي… والبنية التحتية للبنان قد تصدعت، والسياحة انهارت، والدماء صبغت الشوارع والأركان. نحن هكذا دائماً ما شاء الله، متفائلون بنصر سيأتي من حيث لا ندري، كل ما علينا أن نفعله هو أن نقنع أنفسنا بأنه حليفنا القدري.
السفاح الذي في الصورة كان يعلم أنه لم يكن ليحدث شيء له على إثر اقتحامه للأقصى، فالقوى العالمية معه، والأموال والتكنولوجيا المتقدمة في جانبه، وكل ما يرد به عدوه العربي، أو من تبقى منهم، هو أن يعده بعقاب أخروي، يهدده بخطاب ديني لا يعترف به الجانب الإسرائيلي ولا يصدقه. «لو يعلم هذا السفاح ما سوف يحدث وراء اقتحامه وتدنيسه للأقصى لما تجرأ»، تجرأ لأنه كان يعلم أنه لن يحدث شيء لا على المستوى العربي ولا على المستوى العالمي، وتجرأ لأن الخطاب العربي الديني التهديدي لم يكن يهمه في شيء ولم يكن يؤثر فيه بشيء، يعني تهدد صهيوني من منطلق مفهوم إسلامي، أي فكرة ذهبية هذه التي نقاوم بها؟ وحدهم الفلسطينيون يقفون في الصف الأول، يعانون كل يوم، يموتون كل يوم، ويقاومون مقاومة حقيقية كل يوم. أما نحن، أو من تبقى منا، نستنكر ونشجب ونهدد الصهاينة بعقاب إسلامي لهم، يا له من تكتيك نفسي خطير!