بصمة إصبعك

الدين صورة في قلبك مثل بصمة إصبعك، لا مثيل لها ولمفاهيمها وخيالاتها ودفئها في قلب غيرك، حالة خاصة بك، فهم متشكل فقط لديك، بل خيال ترى به خالقك وما بعد الحياة خاص بك وحدك لا يستطيعه غيرك.

في مقابلة لي مع المقدم عمار تقي عبر برنامجه “مثير للجدل” تمت مناقشة عدد من المواضيع المهمة والتي تستحق المزيد من النقاش والتمحيص، فالمقابلة عادة ما تكون فاتحة للنقاش لا خاتمة له، ولربما أتناول وإياكم هذه المواضيع عبر عدد من المقالات القادمة.

سأل الأستاذ عمار مستشهداً بأحد مقالاتي السابقة عن رأيي حول إصلاح الخطاب الديني، والذي كنت قد طرحت له مواضيع المرأة على وجه الخصوص كالحجاب والإرث وقوانين الأحوال الشخصية كأمثلة مستحقة لإعادة النظر، فقضايا المرأة، في رأيي، هي الأكثر استعجالاً والأوجب إصلاحاً بين كل القضايا الأخرى. لا أعلم تحديداً سبب الحساسية تجاه فكرة إعادة القراءة بما يرمي لإصلاح وتطوير المنهجيات الدينية. النداء بإعادة القراءة بحد ذاته لا يعني النداء بالتغيير، فأحياناً إعادة القراءة والتفكير لا ينتج عنهما أي تغيير، وأحياناً ينتج عنهما تغييرات سلبية أو إيجابية بالطبع بحسب نظرة المستقبل لهذه التغييرات. بكل تأكيد أنا أتمنى أن يكون التغيير الإيجابي (من وجهة نظري) المتجه باتجاه المزيد من الحريات والتواؤم مع الحقوق الإنسانية هو الناتج، إلا أن ذلك ليس هو تحديداً فحوى النداء وإن كان الأمل الأخير بالنسبة إلي منه. المثير للانتباه هو غضب الناس من مجرد المطالبة بالمراجعة، حيث يبدو وكأن شعورا حارقا بالتهديد لدينهم يسيطر عليهم بمجرد مطالبتهم بالتفكير في أفكاره وفقهه، وهذا مؤشر سلبي تجاه المعتقد وتجاه حامليه لا أراه مستحقاً للدين الإسلامي ولا لأي دين آخر في الواقع. كل الأديان قابلة للتفكير والتمحيص ومضطرة لمراجعة خطاباتها وأفكارها ومنهجيتها كلما امتد الزمن وتغيرت المعطيات، فالدنيا تتغير وهذا التغيير يحتاج لتفكير وقياس واجتهاد وإعادة تفسير وتفكير وتأويل.

ذكرت في المقابلة، في عارض تقديمي لأمثلة حول تجديد الخطاب الديني وضرورة فتح باب الحوار، أنه في رأيي لا يوجد هناك نص صريح في القرآن يشير إلى تغطية الرأس، وهذا هو مجرد رأي من عشرات إن لم يكن مئات الآراء والقراءات التي قد تخطئ وتصيب. لفتني أن بعث لي أحد المغردين فيديو للدكتور محمد العوضي بدا فيه وقد “تعب” حسب تعبيره من شرح هذا الموضوع، حيث أشار إلى أن الحجاب يعني الساتر في الآية الخاصة بأمهات المؤمنين، ولكنه أشار إلى أن هناك آية أخرى “يتغافل” عنها المختلفون بالرأي، وهي آية “وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ”، حيث وضح قائلاً “الخمار ما هو؟ الخمار غطاء، المرأة العربية كانت “تقط” الخمار على رأسها هالشكل (ممثلاً بغترته) وتمشي، فرب العالمين قال “وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ” الخمار موجود، ليش، فشتسوي فيه؟ شوفني يبا شوف خل أتحجب جدامك حق بناتنا “على جيوبهن”، هذا الجيب (مشيراً بشكل عمودي من أعلى صدره إلى أسفله) على جيوبهن (لافاً غترته حول رأسه) فصار شنو؟ صار حجاب (بلهجة كوميدية)” ثم استكمل بعض الشرح حول ثوب المرأة العربية، فيما أشار المقدم إلى أن هناك “جيوبا ظاهرة وجيوبا مخفية”، ثم استشهد الدكتور بأم المؤمنين عائشة وبنات الصحابة وفاطمة الزهراء، قائلاً إن محاولة فهم الآية أكثر من هؤلاء السيدات اللواتي عشن هذه الآية هو “شيء جنون وشيء خارج المنطق” مما يتسبب في وقوع “قضية التزوير”.

ما أقدم عليه الدكتور (رغم اتهامه لأي محاولة تفسير أخرى بالغش والتزوير ورغم القطعية في كلامه والتي لا يحتملها أي نقاش فكري) هو تحديداً ما أطالب به أنا، فتح باب الفهم، وأزيد عليه، فتح باب إعادة القراءة، فقد ورد على لسان مفكرين آخرين، أمثال فاطمة المرنيسي ونصر حامد أبوزيد، وأذكر هذين الاسمين تحديداً لأنهما الاسمان اللذان ذكرتهما في المقابلة، تفاسير أخرى وقياسات زمنية وتاريخية مختلفة. الدكتور اجتهد في شرح معنى كلمة “يضربن” ثم معنى كلمة “خمار” ثم معنى كلمة “جيب”، وقام بتقديم مشهد عملي للفكرة ليوضحها تماماً، مما يعني فعلياً أن الفكرة تحتاج لشرح وتفسير. فالآية الكريمة لم تقل بتغطية المرأة لشعرها بشكل مباشرة وصريح، إنما قالت بضرب الخمار على الجيب، وتلك اجتهد الدكتور مشكوراً وبالصوت والصورة بشرحها، ولربما يجتهد مفكر آخر كذلك مشكوراً بتفسيرها وشرحها بصورة مختلفة. ما المشكلة؟ ولماذا ينحكر حق التفسير على إنسان دون آخر؟ لك أن تختار من تقتنع به وتتبعه وتمتثل لشرحه وتفسيره، ولكن السؤال هو لمَ احتكار التفسير والتأفف من الحوار ومحاولة إظهار القضية، أي قضية فكرية في الواقع، على أنها قطعية لا تقبل النقاش ولها متحدثون رسميون لا يقبل من غيرهم حديث أو تفكير أو تفسير؟

لا تدع أحدا يقنعك أنك غير مؤهل للتفكير، أن التمعن في أمور حياتية يومية يخاطبك الدين بها هو ليس لك، أن التفكير والتساؤل متروكان “لأهل الاختصاص” وهم وحدهم ذوو الحق فيهم، لا تدع أحدا يقنعك أنك أقل قدرة على فهم أمور دينك حتى البسيطة منها، لا تدع أحدا يحرمك حق التساؤل حولها والتشكك فيها. فكر كما تشاء، واختر من تحب من المفكرين أو فكر لنفسك، آمني سيدتي بالحجاب بفهمه التقليدي أو اجتهدي في معرفة تفاسير مختلفة، اختاري أن تتبعي أحدا من أهل الثقة في نظرك أو قرري أن تبذلي جهدا شخصيا في البحث الفقهي والتاريخي، الخيار خيارك وكلها خيارات محترمة، المهم أن يكون هناك حق الاختيار، المهم أن يكون هناك حق النقاش والاجتهاد والتفكير والسؤال والشك، المهم أن نصل إلى القناعة ليس بدافع الخوف لأن التفكير في الموضوع حرام، ونقاشه يوردنا جهنم، ولكن لأننا فكرنا وناقشنا واقتنعنا. ففي النهاية الدين حالة شخصية، حالة روحانية، صلة بالخالق وتواصل قلبي معه، وليس معركة يقف في صفها الأول الجنرالات ليتبعهم دون تفكير الجنود الصغار. الدين صورة في قلبك مثل بصمة إصبعك، لا مثيل لها ولمفاهيمها وخيالاتها ودفئها في قلب غيرك، حالة خاصة بك، فهم متشكل فقط لديك، بل خيال ترى به خالقك وما بعد الحياة خاص بك وحدك لا يستطيعه غيرك. لا تفقد هذه الخصوصية لتتبع دون أن ترى، لا تفقد دفء التفكير لبرودة الخوف، فالتفكير حرية والخوف قيد، وهل الالتزام دون حرية إيمان؟