السعادة المزمنة

في قصة قصيرة خلابة الذكاء للعظيم نجيب محفوظ بعنوان “الرجل السعيد”، يتناول محفوظ حكاية رجل يفترض بكل المقاييس أن يكون تعيسا محزونا. يتدهور عمل هذا الرجل، تتوفى عنه زوجته، يهاجر عنه ابنه الوحيد، هو محاط بأخبار الحروب ومصائب الدنيا؛ ومع ذلك، ورغم كل آلامه الشخصية، يصحو ذات يوم من النوم ليجد نفسه في قمة السعادة، في أوج التسامح مع أعدائه، في غاية الرضا تجاه كل نكبات حياته: “إنه سعيد. سعادة جبارة. مستهينة بكل تعاسة، باسمة لأي شقاء، تريد أن تضحك، أن ترقص، أن تغني، وأن توزع ضحكاتها ورقصاتها وأغنياتها على مشكلات العالم” (محفوظ، 110).

وعندما تستمر هذه الحالة من السعادة المنفردة، يبدأ الرجل بالشعور بأنه معزول عن بقية البشر. فحالة السعادة المزمنة عنده نجحت في خلق وحدة قاسية حوله، حيث أنه أصبح غير قادر على التواصل عاطفيا مع الآلام والأحزان، وبالتالي مع البشر الذين هم مكونين أساسا منها.ك

يحاول الرجل استرجاع الذكريات، التملي في كل مصائب حياته، بل في مصائب الدنيا عامة، إلا أن شيئا لا يفلح في إعادة المشاعر التفاعلية لديه. ينتهي الرجل في عيادة طبيب نفسي، ضاحكا باكيا بشكل هستيري على سعادة لا تريد أن تغادره، سعادة سجنته في وحدة عاطفية شديدة البرودة والصلافة، لقد أضحى وحيدا، “وحيد بين يدي سعادته الطاغية” (محفوظ، 113).

كلما عدت إلى هذه القصة القصيرة الخارقة الذكاء تذكرت حالنا في العالم العربي، ترى هل هي إسقاط مباشر على صلفنا الحالي؟ لربما هي إسقاط على الصلف البشري عموما، على هذا التمكن الحديدي من الاستمرار في الحياة وتذوق السعادات رغم كل المصائب والكوارث المحيطة بنا، والتي أحيانا لا تبعد عنا أكثر من بضع كيلومترات قليلة. غريبة هي قدرتنا على الاستمرار، على الشعور بالسعادة، كبشر عموما، وكشرق أوسطيين على وجه الخصوص، حيث نعيش اللامبالاة ونستمر في تذوق حالات من الرضا والسعادة “لا الماضي يفسرها ولا المستقبل يبررها” (محفوظ، 105)، فأي مرض نفسي هذا الغائر في نفس البشر عموما وأي وباء مركز منه أصاب بقعتنا تحديدا من الأرض؟

يقول العلماء إنها القدرة العقلية عند البشر لانتقاء الأحداث والذكريات، لتحييد ما يبدو تناقضا ونفاقا في تصرفاتنا مما له أن يقض مضجع الضمير. قد نتأثر لفترة من الزمان، قد نتوجع، قد نتواصل بالتعاطف والمساعدة، لكننا سرعان ما ننسى، نذهب إلى حيواتنا المنفصلة المختلفة ونعيش سعادات أو لربما اعتيادات مريحة أو لربما لا مبالاة مُرضية كتلك التي أصابت رجل محفوظ السعيد، فننتفض من حول الآلام وأصحابها، ونغرق في رضانا وسعاداتنا، ولا كأن بني جنسنا يتألم أو يعاني. لا بد أننا جنس غريب جدا، غرابة هذا الرجل السعيد الذي ثمل بسعادة هي “عنيفة لدرجة الإنهاك، مشلّة للإرادة” (محفوظ، 110) كتلك التي لا بد أنها تصاحبنا في هذا الشرق الأوسط المسكين، سعادة مَرَضية، تغيب وعينا عما حوله وحواسنا عن مصاب حواس الآخرين .

في بداية الكارثة السورية زرت طرابلس، كأحد أماكن اللجوء الرئيسية للسوريين النازحين، مع مجموعة ليان الخيرية. كانت مهمتنا تسليط الضوء الإعلامي على الكارثة، وأتت التعليمات بأن نحرص على فصل أنفسنا عن العائلات وعن ظروفهم: لن تتمكنوا من مساعدة الجميع، احرصوا على أداء دوركم ثم المغادرة. كنت أعلم بصعوبة المهمة لكنني أبدا ما علمت أنني سأذهب إليها بكينونة وأعود بكينونة أخرى. في بيت أم حمزة (إحدى اللاجئات الأفضل حظا) والذي هو غرفة في الواقع، توقف فريقنا للغداء والراحة، حيث أكرمتنا أم حمزة بوجبة سورية لم أتذوق لحلاوتها مثيلا (وفرت ليان كل المطلوب للوجبة بالطبع). وقفت أساعد أم حمزة في المطبخ إبان تحضيرها للوجبة، كانت تترنم بترنيمة سورية وكنت أحاول متابعتها غناء وتمايلا على صوتها الشجي. فجأة توقفت أم حمزة ونظرت في عيني مباشرة وقالت: “اعلمي يا دكتورة أنني كنت في يوم إنسانة محترمة مثلك، لي بيت وعمل وأسرة مكتملة”. غاص قلبي بشعور لم أستطع تحديده، شيء أشبه بتيار كهرباء يتغلغل في الأطراف، بادرتها محملة بعار الفرق بين الأقدار أن ليتني أرقى أنا لمكانتها وعظيم نضالها.

وفي بيت أسرة مكونة من أم وأب معلولين وأربعة أطفال يعيشون في عشة مفتوحة الجوانب في مزرعة دواجن تعمل فيها الأم المريضة لتعيل الجميع، جلست وصحبتي نداعب الصغار، ونناظر وجهي الكبيرين، شيء غريب بدا على وجهيهما، ليس ألما ولا غضبا ولا معاناة، نوع من الأسى العميق والاستسلام الداكن اللذين لم أرهما على وجه إنسان من قبل.

وفي منطقة معزولة أخرى، زرنا عائلة تسكن بيتا قيد البناء، يعيشون على التراب وبين جدران لم تبن بعد ليلفحهم الهواء البارد من كل حدب وصوب ولتمتلئ رئاتهم، المنهكة أصلا، بالأتربة الممرضة، وحين أتى وقت مغادرتنا، لحقت بي طفلتين من أطفال العائلة: “خالتو لا تنسينا، تعالي السنة الجاية”. رنة صوت باب السيارة وهو يغلق، جبهتيهما البيضاوتين الملوثتين بالأتربة عند طرف شباك السيارة، طبعات كفوفهما على الزجاج، عيون ملونة، أصوات مبعثرة فيها من الضحكات أكثر من البكاء. استدارت السيارات ورحلنا. ما عدت أنا السنة التالية، ولا يعلم أي منا إن كانت الأسرة قد تمكنت من البقاء على قيد الحياة خلال شتاء طرابلس القارس.

آخر أسرة زرناها كانت تسكن مع أسر أخرى كثيرة، كذلك في بيت قيد الإنشاء، إلا أن حالة هذا البيت كانت أفضل بعض الشيء من حيث اكتماله. أخذت نفسا عميقا ونزلت من السيارة مغلقة الباب خلفي. جاءنا أحد المرافقين طالبا منا ألا نصدر أصواتا مرتفعة أو نغلق أبواب السيارات بقوة، ففي الأسرة طفلة عمياء، ترتعب تماما عند إصدار أي صوت عالي حيث تعتقدها تفجيرات كتلك التي رزحت تحتها لأسابيع عدة. اقتربت من الفتاة، حاولت ألمسها، قلت شيئا، قفزت تبحث عن حضن أمها، رعب ومرار وأسى لم أكن أعرف إمكانية ارتسامهم على وجه بنت السابعة. اعتذرت منا الأم وحاولت تهدئة الطفلة، واعتذرت أنا وحاولت تقبيل جبينها، هوشت بيديها، كانت مرتعبة وكنت مرتعبة وبدأت كلتينا تنوح على حدة نواحا ممزقا لا معالم لصوته. كانت تلك اللحظة الأخيرة، علمت أنني تغيرت، أن شيئا داخلي توحش، رأى أكثر مما يجب وسمع أكثر مما يجب (رغم هوان تجربتي مقارنة بغيرها)، سأبقى غاضبة وقاسية وكارهة لكل ما يمت لبني البشر بصلة من الآن فصاعدا.

ثم عدت للكويت. عدت للبيت الذي بدا غريبا، ولزوجي الذي بدت راحة احتضانه خطيئة. عدت للأولاد، يعيشون حيواتهم اليومية، يخرجون ويعودون ويستعملون أدوات الحياة حولهم كأنها تحصيل حاصل. هذه الموزة التي تقضمها ابنتي، هذا الحذاء الذي ما عاد يريده ابني، وآخر العنقود، تنام في غرفة وردية، في حضنها دبدوب، وفي قلبها غصة لأن كمبيوترها قديم وبعد لم نجدده لها.

كيف لعقلي أن يستوعب بعد المسافة؟ شعرت بالغربة رغم انغماس زوجي والأولاد في قصة المأساة واستعدادهم للمساعدة والمساندة بكل صورة. كنت كمن هي في حلم، لم يتقبل عقلي الفرق، ولم يستطع جسدي تحمل التغيير، سقطت مريضة لأيام، هجست وحلمت وصرخت ليلا، انقطعت عن الطعام وعن الخروج، أصبحت قاتمة قاسية مريرة الأحاديث. ثم شيئا فشيئا، هدأت روحي، وعدت لروتيني، عادت لي شهية الأكل، ورجعت لي رغبتي في التسوق، وتمكنت من إطلاق الضحكات مجددا مع الصديقات، وهجعت نفسي إلى كل اعتياداتها من جديد.

حين أفكر في هذه التجربة وما تلاها أتساءل، هل أنا في حالة من “سعادة غامرة، عجيبة، منهكة” (محفوظ، 114) سقطت في نفسي وباء مكنني من الاستمرار في الحياة رغم كل ما رأيت وما سمعت؟ هل هي “سعادة جبارة. مستهينة بكل تعاسة، باسمة لأي شقاء” (محفوظ، 110) تلك التي غيبتني عن الألم، عن الحرقة، عن ذاك التوجع الحارق الذي أصابني طوال مدة الرحلة؟ إلى اللحظة أتذكر كل شيء: أم حمزة ودورانها الناعم في مطبخها؛ الصغيرات الشقراوات وجباههن المطلة من طرف شباك السيارة؛ نواح الصغيرة العمياء؛ نواحي أنا. أتذكر كل شيء، لكنني مثل “الرجل السعيد” أستمر في الحياة، أعيشها بكل زواياها وأنا أعلم ما في الشمال من أسى لا يوصف، أعرف التغيير الشاسع الذي تفعله بضعة كيلومترات في الحيوات والأقدار. بكل تأكيد أنا لست ذات المرأة التي ذهبت، لن أعودها في يوم، فهل حالة استمرار الحياة باعتياداتها التي أعيشها الآن هي تمثيلية، هو عارض مرضي؟ هل أنا إنسان سعيد؟